باتريك موديانو.. عندما يتوج «الكاتب اللغز» بنوبل للآداب

7 novembre 2014 16:45

8 0

هاهو ذا قد أصبح تحت الأضواء الكاشفة بعدما كان يستهويه البقاء في الأجواء المعتمة. فمنذ صدور كتابه «ساحة النجمة» سنة 1968 أخذ الرجل ينسج حول نفسه هالة كبيرة من الغموض والألغاز.

وهكذا، من كتاب إلى آخر (ثلاثون تقريبا)، شرع يبني صرحا أدبيا فارها من خلال التيه في مدينة باريس المسكونة بأطياف الاحتلال.

ازداد الكاتب في سنة 1945 من أب يهودي يتاجر في السوق السوداء وأم ممثلة نزقة، فعاش طفولة ممزقة موسومة بالحيرة والوحدة تركت في روحه جراحا لم تندمل أبدا.

تسلم جائزة كونكور سنة 1978 على كتابه «زنقة الحوانيت المعتمة»، وانخرط في كتابة السيناريوهات في مناسبات عدة، كما أبدع كلمات ما ينيف عن عشرين أغنية، وهاهو ذا اليوم يسمو إلى مصاف العمالقة ويضيف إلى سجلاته أكبر جائزة يمكن أن يحلم بها كاتب كبير، جائزة نوبل للأدب.

غداة الإعلان عن تسليم جائزة نوبل للأدب، وجدته في شقته الواسعة الرابضة تحت ظلال كنيسة سانت سولبيس كما هو، لم يتغير فيه أي شيء، رجل طويل القامة، تلفه مسحة رائقة من الشباب رغم تقدم سنه، غير أنه يبدو دهشا مذهولا أمام الزوبعة الهائلة التي خلفها تتويجه بالجائزة الأدبية العالمية.

وإذا كانت السنون قد أفلحت نوعا ما في تخليل شعره بالشيب، فإنها بالمقابل لم تستطع أن تنال من روحه المراهقة قيد أنملة. فقد بدا لي كطفل يتعثر في التلفظ بجمله ومفرداته بنفس الطريقة التي يتعثر بها في فهم نجاحه الكاسح. ذاك النجاح الذي يثير فيه الدهشة والاستغراب أكثر مما يثير النشوة والارتياح.

استقبلني بلطف منقطع النظير، لكني مع ذلك، لاحظت بأن قبوله الإجابة عن أسئلتي كان ثمرة مجهود جبار من لدنه، فالرجل لا يشعر بالاطمئنان إلا بصحبة زوجته التي وقفت تلك اللحظة بجنبه مع ابنتيهما في مكتبه الشاسع المطل على ساحة بيته والمملوءة جدرانه حتى التخمة بكتبه، أصدقاؤه الحقيقيون الصامتون الذين لا يزعجونه أبدا ولا يباغتونه بزيارة محرجة كزيارتي، وإنما يتبعونه في تيهه الدائم عبر دروب و أزقة باريس المتشابكة عندما يكون في غمرة البحث عن زقاق أو عنوان هو وحده من يستطيع فك رموز أسراره.

فإذا كان كاتبنا يجد صعوبة جمة في التحادث مع أمثاله من بني جلدته، فإنه على النقيض من ذلك، لا يمل من التحاور المستفيض مع الأبواب والأرصفة ومداخل الميترو والمقاهي والحانات...

كم هو ملحاح هذا المجتمع... يريد منه أن يلتحق قسرا بنظرية كبار عاجني أفكار الناس من الثرثارين على بلاتوهات التلفزة وغيرهم من الشخصيات الكبيرة العمومية.

فعالمه لا يوجد في تلك الحقيقة اليومية التي نأكل من خبزها المتفاوت المرارة. عالمه الحقيقي يوجد هناك، في ذلك المنفى الاختياري الذي جعل منه مملكة خاصة به.

حين أزفت الساعة التي كنت أخشاها، ساعة طرح الأسئلة، أحسست وكأن أمامي مريضا كنت أحرص أشد الحرص ألا أعذبه، مريض طيع استسلم مكرها لتلك العملية القاسية التي تتمثل في نزع الأفكار من مخه واستخلاص الآراء من نفسه، وقطع اللحم نيئا من أحاسيسه وانفعالاته.

ـ ما من كاتب إلا وقد لاقى في مشواره فشلا ذريعا ما، فإن استطاع أن يعبر عن ذاك الفشل بصدق وعمق، فمعنى ذلك أنه وفق في إقامة شكل من أشكال التوازن.

وهو يجيب عن سؤالي بعزيمة مؤثرة، اهتديت إلى معرفة سبب الحرج الذي أحس به كلما أسمعه يتحدث: إنه يتكلم كما نكتب نحن، أي إنه يشطب على الكلمات ويشطب على الجمل ويصلح عباراته بدون انقطاع وكأن شيئا ما بداخله يرغمه على توخي الدقة بشأن فكرة لا يمكن أن تكون متقنة بالنسبة إليه إلا وهي مسجاة على الورق. فهو مهووس بكمال لا وجود له في اللغة التي بها نتكلم. لأجل ذلك، فإن جمله في أثناء حديثه تكون مليئة بالتشطيب وإعادة النظر وكأنها مسودة كتاب لبلزاك أو مرسيل بروست.

ولما أثرت معه قضية الاحتلال وسألته عن أي الرجلين، ديغول أو ميتران، أفلح في التعبير عن أحاسيسه حول تلك الحقبة التي طالما تحدث عنها في كتبه، شعرت من شدة إحراجي له كأني أقتحم عليه مستودعا عزيزا لأسراره.

ألقى إلي بنظرة حزينة، فأدركت أني أرغمه على ولوج مجال يكرهه أشد الكراهية، مجال محاكمة فترة تاريخية معينة، وبالتالي، المغامرة بإعطاء الرأي والتوغل في متاهات السياسة والإديولوجية.

ـ إن مكان باتريك موديانو هو على غرار الكتاب العظام، ليس في بيته، وإنما هنا في هذه الأزقة المعتمة الملتوية، خصوصا عندما يتبع المرء هذا الزقاق العجيب الذي يؤدي إلى أبواب تحفه الأدبية الرائعة.

وبقدر ما يجانب الصواب كل من يرى في تحف بالزاك مجرد زخرفات أدبية تكشف لنا أسرار الحياة في زمنه، وفي ميلفيل مجرد قائم بريبورتاجات حول مهن البحر، وبكونراد مجرد مكتشف لبحر الصين، فإنه يجانب الصواب بنفس الحدة كل من يعتقد أن تحف موديانو هي مجرد استكشاف رومانسي لزمن الاحتلال.

فلا يشك أحد بأن جميع هؤلاء الكتاب كانت لهم أجواء واقعية، ولكنهم يبقون قبل كل شيء شعراء. فالعوالم التي وصفوها لنا هي عوالم أعادوا اختراعها على مقاسهم، أو بالأحرى على إفراطهم في مخدر اسمه الحلم.

فالاحتلال عند موديانو هو رمزي وأسطوري أكثر منه تاريخي، ذلك أن أبطاله مضطهدون ومطاردون دائما دون أن يدروا لماذا. فاليهود مضطهدون لأنهم يهود، والعملاء الذين جنت عليهم أقدار معينة مطاردون لعمالتهم.

والكاتب يصف ذلك ممتنعا عن إصدار أي حكم معنوي أو حكم سياسي، إذ هو يقف بجنب المطاردين كيفما كانوا، يهود أو عملاء، نصابون متواطئون مع البوليس، أو مقامرون مفلسون، مخرفون أو محتالون، فهو يتفهم قلقهم ويشاطرهم إياه عندما يتوقون إلى عالم لا يهمهم فيه تحقيق حلمهم بقدر ما يهمهم وضع حد لكابوس المطاردة المروعة.

والذي يشغله بالأساس في ذاك الاحتلال المتأخر الذي لا يزال يعشش في عقول الفرنسيين بعد رحيل الألمان، هو تهريب الحقيقة والكذب اللذين وفرتهما تلك الأزمنة الرديئة المضطربة حيث يسلك أناس من الطبقة الراقية وآخرون من الطبقة السفلى نفس المسالك السرية المشبوهة لكي يلتقوا في الفساد والبؤس والاحتيال والتسويات القذرة.

فقد تعود الناس أن يزيفوا كل شيء، ابتداء من المال ومرورا بالوثائق وانتهاء بالبطولات إلى أن اختلط الحابل بالنابل وأصبح المرء في ذلك الخضم اللجب عاجزا عن إدراك الحقيقة.

وهذا بالذات ما يعطي لكتبه طابع روايات بوليسية لا يهتدي المحقق فيها إلى العثور على جثة الضحية وإن كان كل من حوله من الأظناء يمتلك سجلا عدليا ثقيلا، ولكن يبرئه رغم ذلك من كل تهمة، اللهم إلا تهمة واحدة تتمثل في أنه موجود، وأنه يحب ويشقى، وأنه يحلم بالغنى، وأنه اقترف ذنب التشبث بالحياة.

في جميع روايات موديانو، يبدو الأبطال وكأنهم أشباح هائمة تبحث عن جسد ضائع وتفتش عن حقيقة هاربة.

غير أن هنالك رواية تشذ عن القاعدة، حيث لا يتيه بطلها كعادته في ضباب الأحلام، وإنما ينخرط في عملية قاسية لا مجال فيها للخيال. إنها قصته الشخصية التي يتحدث فيها الكاتب عن نفسه بدون زخرفة ولا زواق، يتحدث عن طفولته، عن أمه الغائبة الحاضرة، عن موت أخيه، عن أبيه الغائب دوما والمنغمس في تهريب مبهم يلامس حدود المحرم.

ففي هذا الشباب الحزين والمنفرد، يقتبس الكاتب المحروم من الحب شعوره بمنفاه الداخلي.

وبسبب تعاسته المزمنة، خلق لنفسه عالما أسكن فيه كثيرا من الشخوص، من بينها إخوانه وأخواته الذين اقتسموا معه الشعور بالغربة.

لأجل ذلك فإن قراء باتريك موديانو سيتأثرون حتما بمسحة الحزن في كتاباته بالقدر الذي سيتأثرون بالنغمة الموسيقية الكئيبة التي تلازم شخوص كتبه.

فرواياته الشيقة لا تستجيب للتأويل، والدرس الوحيد الذي يمكن أن نستخلصه منها هو درس في منتهى الدقة ولا يمكن أن يُسَر إلا همسا.

فقد قالت هانا أريند في حق القصاصة كارين بليكسن بأنها تضع قصة تحكى بإتقان في مرتبة أسمى من كل شيء، بل وأسمى حتى من الأنظمة الفلسفية.

وكذلك الشأن بالنسبة إلى موديانو، الذي يساهم برواياته الرائعة المحبوكة بطريقته الخاصة في ميتولوجيا لائكية منسوجة من تاريخنا المعاش، بل وتتعداها إلى ما هو أسمى في كثير من الأحايين، وخصوصا عندما تغذي خيالنا بالحلم الجميل وتنطلق به إلى عالم سحري رائع.

وفي الوقت الذي تمر به فرنسا بمرحلة حرجة تدفعها إلى اليأس والقنوط، نزل علينا بغتة فيض غامر من سعادة لما رأينا خيطا من نور يأتي من ستوكهولم ويحط على موديانو، الكاتب الذي أفرح كل من لم يعد يقوى على الفرح بعدما أفلح في إنبات زهور يانعة في ركام هائل من الخراب.

Source: almassaepress.com

Pour la page de catégorie

Loading...